محمد بن الطيب الباقلاني

248

الإنتصار للقرآن

الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم وأخذهم معرفته ، وإذا كان ذلك كذلك ساغ أن يختلفوا في بعض القرآن هل هو مكّيّ أو مدنيّ ، وأن يعملوا في القول بذلك ضربا من الرأي والاجتهاد ، وإن كان الاختلاف زائلا عنهم في جلّه وكثيره ، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم أيضا أن ينقل عن الصحابة نقلا متواترا ذكر المكّيّ والمدنيّ ، ولم يجب أيضا على الصحابة وعلى كل داخل في الإسلام بعد الهجرة وعند مستقرّ النبيّ صلى اللّه عليه في المدينة أن يعرف أنّ كل آية أنزلت قبل إسلامه مكية أو مدنية ، يجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنّه أحد الأمرين ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه من وجوب نقل هذا وشهرته في الناس ولزوم العلم به لهم والتفريط بالتخلّف عن علمه ووجوب ارتفاع الخلاف والنزاع فيه . وقد روى شعبة عن قتادة ويزيد النحوي « 1 » عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن قال : قال قتادة : « إنّ الذي أنزل بالمدينة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، وآية من الأعراف : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [ الأعراف : 163 ] والأنفال والرعد ، غير أنّ فيها مكّيا ، وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [ الرعد : 31 ] إلى آخرها ، ومن إبراهيم * أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ [ 142 ] بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [ إبراهيم : 28 ] إلى آخر السورة ، / والحجّ غير أربع آيات أولهن : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] إلى قوله : عَقِيمٍ [ الحج : 55 ] ، والنور وعشرة من العنكبوت ، والأحزاب والحمد والفتح والحجرات والرحمن والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والصفّ والجمعة والمنافقون ويا أيها النبيّ إذا

--> ( 1 ) هو يزيد بن أبي سعيد النحوي ، أبو الحسن القرشي مولاهم ، المروزي ، ثقة عابد من السادسة ، قتل ظلما سنة إحدى وثلاثين ومائة . « التقريب » ( 2 : 324 ) .